نورالدين علي بن أحمد السمهودي
43
وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ( ص )
وقال فيه : وهي الأسطوان المخلق نحو من ثلثيها ، تدعى أسطوان التوبة ، منها حل رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم أبا لبابة حين نزلت توبته ، وبينها وبين القبر أسطوان . وأسند أيضا عن ابن عمر أنه كان يقول في الأسطوان التي ارتبط إليها أبو لبابة : هي الثانية من القبر ، وهي الثالثة من الرحبة . قلت : كانت الثلاثة من الرحبة قبل تجدد الأسطوانتين المشار إليهما في أسطوانة القرعة بسبب تجدد الرواقين الآتي ذكرهما ، وهذه الأسطوانة إلى جانب الأسطوانة المتقدم ذكرها من جهة المشرق ؛ فهي الرابعة من المنبر ، والثانية من القبر ، والثالثة من القبلة ، والخامسة في زماننا من رحبة المسجد ، وفيها اليوم هيئة محراب من الجص تتميز به عن سائر الأساطين ، لكنه أزيل في الحريق الثاني . وفهم البدر بن فرحون من رواية ابن عمر المتقدمة أنها التي تلي هذه الأسطوانة في جهة المشرق ، وهي اللاصقة بالشباك اليوم كما سيأتي ، فقال : إن أسطوان التوبة هي اللاصقة بالشباك على ما قاله عبد الله بن عمر ، وتبعه مالك بن أنس ، وما قيل إنها غيرها فغلط أوجبه أشياء يطول ذكرها ، انتهى كلامه . قلت : بل الصواب ما قدمناه في بيانها ، ومنشأ ما فهمه عدّه للأسطوانة اللاصقة بجدار القبر ، فحمل قول ابن عمر أنها الثانية من القبر ، وقول مالك بينها وبين القبر أسطوان على الأسطوانة اللاصقة بالشباك اليوم ، وقد علم من كلامهم في أسطوان القرعة أنهم لا يعدون اللاصقة بجدار القبر لما تقدم من قولهم فيها : إنها الثالثة من المنبر والثالثة من القبر ، ولو عدوا اللاصقة بجدار القبر لكانت الرابعة من القبر ، وأيضا فاللاصقة بجدار القبر أحدثها عمر بن عبد العزيز ، ولم يدرك ذلك ابن عمر ، وأوضح من ذلك أن ابن زبالة قال : إن بين أسطوان التوبة وبين جدار القبر الشريف عشرين ذراعا ، وقد اعتبرت ذلك من الأسطوانة التي ذكرناها فكان كذلك . وقال أيضا فيما قدمناه عنه : « إن ذرع ما بين مصلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وبينها سبع عشرة ذراعا » وقد قدمنا في المصلى الشريف ما يقتضي صحة ذلك عند اختبارنا لما بينهما مع بيان أن المصلى الشريف في طرف الحفر الذي يلي المغرب ، وإن جعل المصلى الشريف على تلك الهيئة حادث ، وفي نسخة من ابن زبالة « تسع عشرة ذراعا » بتقديم التاء ، فإن صحت فقد علمت أنه لم يكن المصلى الشريف في عهد ابن زبالة على هذه الهيئات ، بل كانت الأرض مستوية ، فكأنه اعتبر الذراع من ابتداء طرف المصلى الشريف الغربي ، ومنه إلى الأسطوان